جان لوئيس بوركهارت
257
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
ما يقرب من مائة وخمسين غلاما . وقبل عامين أمر محمد على بخصى مائتي غلام من دارفور أهداهم إلى الباب العالي . وقد ضعفت عادة اقتناء الخصيان في مصر والشام ضعفا شديدا . ولست أحسبك واجدا في مصر كلها من هؤلاء الخصيان أكثر من ثلاثمائة ، إذا استثنيت الموجودين منهم في حريم الباشا وحريم أبنائه ، أما في الشام فهم أقل من هذا . ذلك أن الناس في هذين القطرين يتعرضون لأشد الأخطار إذا أعلنوا ثراءهم وجهروا بنعمتهم ، واقتناء الرجل منهم عددا من الجواري يتطلب خصيا يحرسهن أمر يثير جشع الحكام ويغريهم بابتزاز ماله . ومن أندر الأشياء أن تجد خصيانا بيضا في أملاك العثمانيين ، وقد لقيت في شبه جزيرة العرب عددا من الخصيان الهنود في وجوههم صفرة الموت ، وقيل لي إن العبيد في الهند كثيرا ما يخصون . وجل الغلمان الذين يخصون بأسيوط يرسلون إلى القسطنطينية وآسيا الصغرى « 1 » . ويلقى العبيد من الجلابة معاملة هي أقرب إلى الرقة منها إلى العنف « 2 » . والعادة أن يعلّم العبد أن يدعو سيده « أبوى » وأن يعتبر نفسه ابنا له . وقل أن يجلد الجلاب عبيده أو يرهقهم بالعمل ، بل إنه ليعطيهم طعاما طيبا ويتلطف معهم في الحديث ، لا رحمة بهم وبرا ولكن خشية من عروبهم إذا أساء معاملتهم . وهو
--> ( 1 ) كان القحطانيون - بحكم تحمسهم للوهابية التي اعتنقوها - يناوئون شريف مكة أشد المناوأة إبان حروبه مع سعود زعيم الوهابيين ، فأسر الشريف منهم مرة أربعين رجلا ، وقال لهم إنه قد قتل من قبيلتهم ما يكفى ، ثم أمر بخصيهم وردهم إلى أهلهم . ولما كانوا رجالا لا أحداثا فقد فتكت الجراحة بهم جميعا إلا اثنين عادا لوطنهما وأصبحا بعد ذلك ألد أعداد الشريف غالب ، فقتل أحدهما بيده ابن عم لغالب في إحدى المعارك ، أما الثاني فقد قتل وهو يحاول في معركة ثانية أن يخترق صفوف الفرسان ليثأر من الشريف شخصيا . وقد لام الناس الشريف على قسوته أشد اللوم لأن فعلته هذه تجافى الرحمة التي طبع عليها العربي . وقد سقت هذا الحادث دليل على أن الناس لم ينسوا تماما هذه العادة القديمة ، أعنى معاملة الأسرى على هذه الصورة التي تراها ممثلة على كثير من المعابد في صعيد مصر ولا سيما في مدينة هانو . على أن هذا الحادث هو الوحيد الذي سمعت به من نوعه . ( 2 ) وردت في ص 331 وهامشها وفي ص 332 وهامشها تفصيلات عن ختان البنات آثرنا حذفها ونحيل من أرادها على الأصل . ( غربال )